QuickMenu Save Document
ابحث   English

من فكر المدير

تأسيساً على إعلان الدوحة

بقلم ريتشارد جي . ويلكنز
المدير العام
معهد الدوحة الدولي للدراسات الأسرية والتنمية
الدوحة ، قطر

على نحو يدعو للدهشة ، تكررت إشارات علماء الاجتماع إلى دور الزواج ، و الأمومة ، و الأبوة ، و الطفولة كمؤسسات اجتماعية طبيعية وعريقة في توفير البيئة المُثلى من أجل النمو الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي و الشخصي للرجال ، و النساء ، والأطفال على وجه الخصوص . كما تبين لأصحاب الديانات على اختلافها أنه مهما تباينت عقائدهم ، فإنهم مجمعون على مفاهيم مشتركة فيما بينهم عندما يتعلق الأمر بالزواج ، و تربية الأبناء ، و رعاية الطفولة. 1 و انطلاقاً من هذه النداءات تشكل تحالف غير مسبوق من الباحثين و الهيئات الدينية و المواطنين العاديين لحماية العائلة و الدفاع عنها .

و باعتماده إعلان الدوحة ، بعث مؤتمُر الدوحة الدولي للأسرة عام 2004 الحياةََ في هذا التحالف .2 فالإعلان وثيقة متميزة تعيد التأكيد على التصور الأولي والدولي للزواج و العائلة بوصفهما علاقات "طبيعية" وأساسية . 3 و في ختام مؤتمر 2004 ، أعلنت سمو الأميرة الشيخة موزة بنت ناصر المسند ، حرم سمو أمير قطر و رئيسة مؤسسة قطر ، عن تأسيس معهد دولي للسياسات الأسرية يقوم ببحث و دراسة تطبيق المعايير و الإجراءات التي نص عليها إعلان الدوحة . و لقد غدا هذا الالتزام واقعاً في أيار عام 2006 مع تأسيس معهد الدوحة الدولي للدراسات الأسرية و التنمية ( FSD ) .وسوف يؤدي إعلان الدوحة و تأسيس ( FSD ) إلى بعث الحيوية في طيف واسع من المستفيدين على صعيد دولي ، و ذلك لينظروا مجدداً في أنجع الوسائل التي من شأنها دعم الأسرة و تشجيع التنمية الاجتماعية و الاقتصادية السليمة و المزدهرة على الدوام .

إن تقوية الأسرة على المستويات المحلية ، و الإقليمية ، و الدولية لمن شأنه أن يعزز سعادة و رفاه الأفراد بصورة ملموسة ، بالإضافة إلى تعزيز تنمية المجتمعات و الأمم و العالم أجمع اقتصادياً و اجتماعياً . و سواء كان المقياس المستخدم هو الصحة العقلية و النفسية ، أو الانجازات التعليمية ، أو النجاح الاقتصادي ، أو الإدمان على الكحول و سوء استخدام المكيفات ، أو معدل الحياة ، فإن معطيات علم الاجتماع تشير إلى أن الروابط الزوجية الطبيعية ، المستقرة تعزز الصحة و الأمان ، و التطور الاجتماعي للنساء و الرجال و الأطفال. 4

و لن تتمتع جميع الأسر ( و خاصة عبر الأجيال ) بالحظ الكافي لتكون مبنية على رباط الزواج الطبيعي و المستقر. ففي بعض الظروف ، كما هو الحال في الزيجات التي تشتمل على سوء المعاملة ، قد يكون الانفصال من دواعي الحكمة. و لكن ، و برغم الانحرافات و الزلات البشرية ، فإن النموذج نفسه ( بشهادة من التاريخ و البحوث المعاصرة ) ، هو الوصفة الأكثر ضماناً للتقدم الاجتماعي و الشخصي . و علاوة على ذلك ، فإن الأوضاع السلبية المترتبة على الابتعاد عن هذا النموذج ، وخيمة العواقب على النساء و الأطفال بشكل خاص. 5

و تجسد المادة 16 (3) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – و التي أكد عليها إعلان الدوحة – الحقيقة َ الأساسية التي لم تُمنح حقها من الانتباه و التقدير لوقت طويل ، ألا و هي أن " الأسرة هي الوحدة الطبيعية و الأساسية للمجتمع و هي مخولة للحصول على حماية المجتمع و الدولة . " 6 و كما يتبين من خلال هذه الكلمات الدقيقة و المنمقة ، فإن الأسرة ليست مجرد مركب من نتاج المخيلة البشرية ، بل للأسرة ما يربطها بالطبيعة رباطاً عميق الأهمية . فهذه الرابطة الطبيعية تفرضها حيثيات التكاثر ، كما يمتد تأثيرها ليشمل القوى التي تشكل الحضارة ذاتها. ومن ضمن ما تتمخض عنه هذه العلاقة تلك النتائج الإيجابية على المستويات الشخصية و الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية . و تبين البحوث المعاصرة أن هذه النتائج تنشأ من جراء تعلم الرجل العيش مع امرأة ( و تعلم المرأة العيش مع الرجل ) في إطار علاقة زوجية ملتزمة ،. فالأسرة ، اختصاراً ، هي "الوحدة الطبيعية والأساسية للمجتمع" تماماً لأن ديمومة المجتمع تعتمد على النتائج الإيجابية المتولدة عن الوحدة الطبيعية بين الرجل و المرأة. 7

و لقد وضع مؤتمر الدوحة الدولي للأسرة أساساً اشتدت الحاجة إليه من أجل جهود تعاونية مستقبلية فيما بين الحكومات ، و المنظمات عير الحكومية ، و المعاهد البحثية ، و الجماعات الدينية ، و أفراد المجتمع المدني . و سوف ينطلق FSD بناء على هذا الأساس في جمعه للباحثين ، و الخبراء ، و المنظمات الدولية ، و المنظمات غير الدولية / و أفراد المجتمع الدولي معاً من أجل البحث و تطوير البرامج العملية و الفعالة لمساعدة و دعم و حماية أكثر مؤسسات المجتمع أهمية : الأسرة .

و هناك كم هائل من العمل ينتظر الانجاز ، و لكن ذلك ينبغي ألا يفت في عضد أحد . فإعلان الدوحة و تأسيس سمو الشيخة موزة ل FSD يمنحان أملاً مشرقاً بأنه سوف يكون بمقدار حضارات العالم أن تضم أيديها لتبني مجتمعات منتجة و مسالمة أسرةً أسرة .


  1. لقد ورد في القرآن الكريم " وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (النحل: 72). و يعكس الإنجيل ، في الفصل الثاني من سفر التكوين 2:17 الحقيقة نفسها " وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ". و لقد اعترفت التوراة بالدور العميق بوحدة الأسرة ، كما ورد التأكيد عليها في كتب التعليم المسيحي في الكنيسة الكاثوليكية . انظر التكوين 2:18

  2. رسالة بتاريخ 7 ديسمبر 2004 موجهة من مسؤول العلاقات في البعثة الدائمة لدولة قطر في الأمم المتحدة إلى الأمين العام ، A/59/599 (ديسمبر 8 ، 2004 ) ملحق أ ( إعلان الدوحة ) .

  3. المصدر السابق

  4. انظر ستيفن إل . نُك ، الزواجُُ في حياة الرجال 11 (1998) . " المتزوجون عموماً أكثر صحة ، فهم يعيشون أطول ، و يكسبون أكثر ، و يتمتعون بصحة نفسية و حياة جنسية أفضل من نظرائهم العزاب . بالإضافة لهذا ، فمعدلات الانتحار و الحوادث المميتة و الأمراض الحادة و المزمنة و إدمان الكحول و الاكتئاب أقل عند المتزوجين مما هي عند الآخرين " المصدر السابق، ص 3.

    فالزواج هو الرابطة الاجتماعية المُثلى بين الرجل و المرأة ، فبزواجهم يقطع الأزواج و الزوجات على أنفسهم عهداً بالإخلاص و مساندة الطرف الآخر في الضراء و الوقوف في وجه المحن . و لن يتمكن الجميع بالالتزام بهذا العهد ، و لكن من الصعب أكثر على المتزوج عدم الوفاء بمثل هذه العهود من نظيره غير المتزوج ، و ذلك لأن هذه العهود تشكل جزءاً من قوانيننا و ديننا و تعريفنا للأخلاق . و هناك أنواع أخرى من الالتزامات المتبادلة عبر التاريخ الإنساني . و المجتمع يفرض حضور هذه المُثُل بشكل جمعي ، بصورة رسمية و عفوية . و لا يمكن أن يقال شيء من هذا القبيل حول أي نمط آخر من العلاقات الحميمة بين بالغََين اثنين . المصدر السابق ، ص 4 .

    فلا ينبغي إذن أن نتفاجأ كثيراً إذا علمنا أن هذه الرابطة الاجتماعية العريقة ذات قيمة اجتماعية خاصة ( و متفردة ) . و علاوة على ذلك ، فهذه القيمة الاجتماعية لا تتبع عملية اصطفاء طبيعي يغلب معها زواج الأفراد الأصحاء و الأقوياء و الجذابين ليكونوا المستفيدين من الزواج. "لا يكون المتزوجون أحسن حالاً من العزاب بهذه البساطة ، بل إن الزواج يؤدي إلى تغيير في الناس من شأنه أن يؤدي لهذه النتائج الطيبة. " المصدر السابق ، ص 3 . (يؤدي مشددة في المصدر : R.H. Coombs, Marital Status and Personal Well-Being: A Literature Review, 40 Family Relations 97-102, 1991 ) ; انظر أيضاً Walter R. Grove et al., The Effect of Marriage on the Well-Being of Adults, 11 ( Journal of Family Issues 4, 25, 1990. وورد فيه التالي : ( تشير الدلائل إلى أن مرد الصلة بين الزواج و المنفعة الشخصية ليس بالدرجة الأولى كون الأشخاص الأصحاء و الأكفاء خاصة أكثر ميلاً للزواج و عدم الطلاق , بل إن الصلة تعود بالدرجة الأولى إلى تأثير العلاقة الزوجية على الأفراد ." )

    و لقد أظهرت الدراسات بصورة مضطردة أن ترك الأبناء في العائلة الطبيعية السليمة لمدارسهم في المرحلة الثانوية أقل احتمالا من ترك نظرائهم لها في عائلة المعيل الواحد . انظر : Demography 483, 494, 1995. :Linda J. Waite, Does Marriage Mater? 32 و في بعض الدراسات ، يتجاوز احتمال ترك الأبناء للمدرسة نسبة الضعف في العائلات ذات المعيل الواحد . انظر المصدر السابق ، ص 494 . و من المهم أيضاَ ما تلاحظهWaite من كون الإحصائيات التي تتناول عدد التلاميذ الذين يتركون المدرسة في العائلات ذات المعيل الواحد " تأخذ بالاعتبار الفروق في عدد المميزات التي تؤثر في التحصيل الدراسي "، و بهذا فهي تُبرز دقة مؤشرات الإحصائيات . و أبناء العائلات غير الطبيعية أكثر ميلاً أيضاً لأخذ درجات متدينة و إحراز أقل في التحصيل الأكاديمي . انظر Paul R. Amato, Children of Divorce in the 1990s: An Update of the Amato and Keith . 1991, Meta-analysis 15 Journal of Family Psychology, 355-370, 2001; انظر أيضاً William H. Jeynes, The Effects of Several of the Most Common Family Structures on the Academic achievement of Achievement of Eighth Graders, 30 Marriage And Family Review 73-97, 2001. و أخيراً فإن أبناء الآباء المطلقين أكثر عرضة لاتخاذ مهن في أدنى السلم الوظيفي ,و اقل دراً للمكاسب ، كما أن نسبة البطالة مرتفعة بينهم . للإطلاع Catherine E. Ross & John Mirowsky, Parental Divorce, Life-Course Disruption, and Adult Depression, 61 Journal of Marriage and the Family, 1999.

    كما تُظهر الدراسات باضطراد أن الأطفال الناشئين خارج إطار الزواج أكثر تعرضا ً للعيش و النمو في ظروف اقتصادية معسرة . انظر Waite أعلاه ص 494 . و حتى بعد أن يتم التحكم بالمتغيرات بحيث يتم أخذ العرق و الخلفية الثقافية بالاعتبار، فإن الأطفال الذين نشأووا خارج الزواج لا يعانون من الحرمان على الصعيد الاقتصادي و حسب ، بل يعانون أيضاً من نقص الرعاية الأبوية و من ارتفاع معدل تغيير المسكن مما قد يؤثر سلباً على تطور الطفل . انظر Pamela J. Smock , et. al. The Effect of Marriage and Divorce on Women’s Economic Well-Being, 64 AMERICAN SOCIOLOGICAL REVIEW, 794-812, 1999 ; انظر أيضاً: Teresa A. Mauldin, Women Men and the Economic Consequences of Divorce: Evidence from Canadian Longitudinal Data, 30 CANADAIAN REVIEW OF SOCIOLOGY AND ANTHROLOPOLOGY, 205, 1990 . ( وترى المؤلفة أن وجود والديَن يمكن أن يعني إشرافاً أبوياً أكثر و وقتاً أكبر للمساعدة في الواجبات ا لمدرسية ).

    و أما المراهقون ذوو الأبوين المتزوجين ، فتقل احتمالات تعاطيهم للماريجوانا ، و الكوكائين ، أو تدخينهم للسجائر . انظر: Patrick Fagan et al. THE POSITIVE EFFECTS OF MARRIAGE : A BOOK OF CHARTS, at 35-36, 38 ( The Heritage Foundations, 2002). و احتمالات تناول الأطفال الذين يعيشون في بنية عائلية غير طبيعية للسجائر تزيد بمعدل 30% عن نظرائهم الذين يعيشون مع أبويهم الحقيقيين ، كما أنهم أكثر عرضة لتجريبها منهم . المصدر السابق.

  5. هناك الكثير من الجدل حول الفجوة الآخذة بالاتساع بين الفقراء و الأغنياء ... فدراسة بحوث العلوم الاجتماعية تُظهر بشكل لا يدع معه مجالاً للشك أن السبب الأساسي للفقر و تباين الدخل عائد إلى الزواج أو عدمه . فالعائلة المفككة تجني دخلاً أقل ، كما تعاني من تدني التحصيل التعليمي . و الأسوأ من ذلك هو أن مثل هذه العائلة تورِّث أبناءها احتمالات العيش تحت الدخل الضعيف و انعدام الاستقرار الأسري ، مما يفاقم هذه الآثار عبر الأجيال . Patrick Fagan. How Broken Families Rob Children of Their Chances for Future Prosperity, The Heritage Foundation, Backgrounder, No. 1283, June 11, 1999, و تجدونه على الموقع : http://www.heritage.org/library/backgrounder/bg1283.html

    و يتبين من خلال البحث الموثق أن بنية الأسرة الطبيعية ذات أثر إيجابي على جميع العناصر المكونة لصلاح حال الطفل . و هذا يعني فرصاً تعليمية أكبر ، و صحة عاطفية و جسدية أفضل ، و استخداماً أقل للمكيفات ، و نسبة أقل للنشاط الجنسي المبكر للفتيات ، و جنوحا أقل للفتيان . و في الولايات المتحدة ، يعيش 50% من الأطفال ممن ترعاهم أم عزباء في فقر ، و في المقابل ، هناك 1% فقط من الأطفال ، ممن يعيشون في أسرة ذات أم و أب ، تحت خط الفقر . انظر Craig H. Hart, Ph.D., Combating the Myth that Parent’s Don’t Matter على الموقع : http://www.worldcongress.org/gen99_speakers/gen99_hart.htm (Nov. 1999) (تم تقديمها كورقة بحث في المؤتمر العالمي للأُسَر II ، جنيف ، سويسرا) ( تم زيارته للمرة الأخيرة في آب 2002) . و

    في بحث علمي شامل أثار الضجة وجد د. ديفيد بوبنو و د. بربارة دافو وايتهيد أن النساء غير المتزوجات و المساكنات لخلانهن " أكثر تعرضاً للعنف الجسدي و الجنسي من مثيلاتهن المتزوجات" . و أما عواقب المساكنة فهي أكثر خطورة بالنسبة للأطفال . و يرى د. بوبنو و د, وايتهيد أن أكثر البيئات الأسرية خطورة بالنسبة للأطفال هي عيش الأم مع غير أبيهم الطبيعي ، و هذه هي حال معظم الأطفال في المساكنة . Dr. David Popenoe and Dr. Barbara Dafoe Whitehead, Should We live together? What Young Adults Need to Know About Cohabitation Before Marriage, at 7-8 ( The National Marriage Project, Rutgers University 1999).

  6. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، المادة 16 (3).

  7. بريجيت بيرغر، ""The Social Roots of Prosperity and Liberty,” 35 Society 44, March 13, 1998 ( available on Westlaw at 1998 WL 11168752) . ( " رغم أننا مؤخراً نستطيع أن نشهد إعادة تقدير الناس للدور المفيد للأسرة التقليدية المكونة من الأب و الأم و أولادهما في عيش مشترك يسعون فيه وراء نموهم كأفراد و كمجموع ، فإن نخب قيادة السياسة العامة لا تبدو أنها قد استوعبت تماماً أن مسيرة الحياة العامة متوقفة على الحياة الخاصة ، كما أن هذه النخب لا تعي مقدار ازدياد أهمية الفضائل (التقليدية) و الأخلاق (التقليدية) في الحفاظ على اقتصاد السوق و المجتمع المدني ") .


"